فصل: تفسير الآية رقم (262)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏256‏]‏

‏{‏لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏256‏)‏‏}‏

‏{‏لا إِكْرَاهَ فِى الدين‏}‏ قيل‏:‏ إن هذه إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏خالدون‏}‏ ‏(‏752‏)‏ من بقية آية الكرسي، والحق أنها ليست منها بل هي جملة مستأنفة جيء بها إثر بيان دلائل التوحيد للإيذان بأنه لا يتصور الإكراه في الدين لأنه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه والدين خير كله، والجملة على هذا خبر باعتبار الحقيقة ونفس الأمر وأما ما يظهر بخلافه فليس إكراهاً حقيقياً، وجوز أن تكون إخباراً في معنى النهي أي لا تكرهوا في الدين وتجبروا عليه وهو حينئذٍ إما عام منسوخ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جاهد الكفار والمنافقين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 37‏]‏ وهو المحكي عن ابن مسعود وابن زيد وسليمان بن موسى، أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية وهو المحكي عن الحسن وقتادة والضحاك وفي سبب النزول ما يؤيده فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية‏؟‏ فأنزل الله تعالى فيه ذلك»‏.‏ وأل في ‏(‏الدين‏)‏ للعهد، وقيل‏:‏ بدل من الإضافة أي دين الله وهو ملة الإسلام، وفاعل الإكراه على كل تقدير غيره تعالى، ومن الناس من قال‏:‏ إن المراد ليس في الدين إكراه من الله تعالى وقسر بل مبني الأمر على التمكين والاختيار ولولا ذلك لما حصل الابتلاء ولبطل الامتحان فالآية نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 92‏]‏ وإلى ذلك ذهب القفال‏.‏

‏{‏قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي‏}‏ تعليل صدر بكلمة التحقيق لزيادة تقرير مضمونه أي قد تميز بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهم اشتراك الغير في شيء منها الإيمان من الكفر والصواب من الخطأ والرشد بضم الراء وسكون الشين على المشهور مصدر رشد بفتح الشين يرشد بضمها، ويقرأ بفتح الراء والشين، وفعله رشد يرشد مثل علم يعلم وهو نقيض الغي وأصله سلوك طريق الهلاك، وقال الراغب، هو كالجهل إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد، والغي اعتباراً بالأفعال، ولهذا قيل‏:‏ زوال الجهل بالعلم، وزوال الغي بالرشد، ويقال لمن أصاب‏:‏ رشد، ولمن أخطأ غوى، ويقال لمن خاب‏:‏ غوى أيضاً، ومنه قوله‏:‏

ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره *** ومن يغو لم يعدم على الغي ‏(‏لائماً‏)‏

‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت‏}‏ أي الشيطان وهو المروي عن عمر بن الخطاب والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وبه قال مجاهد وقتادة وعن سعيد بن جبير وعكرمة أنه الكاهن، وعن أبي العالية أنه الساحر، وعن مالك بن أنس كل ما عبد من دون الله تعالى، وعن بعضهم الأصنام، والأولى أن يقال بعمومه سائر ما يطغى، ويجعل الاقتصار على بعض في تلك الأقوال من باب التمثيل وهو بناء مبالغة كالجبروت والملكوت، واختلف فيه فقيل‏:‏ هو مصدر في الأصل ولذلك يوحد ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان وإلى ذلك ذهب الفارسي وقيل‏:‏ هو اسم جنس مفرد فلذلك لزم الإفراد والتذكير وإليه ذهب سيبويه وقيل‏:‏ هو جمع وهو مذهب المبرد وقد يؤنث ضميره كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 71‏]‏ وهو تأنيث اعتباري واشتقاقه من طغى يطغى أو طغى يطغو ومصدر الأول‏:‏ الطغيان‏.‏ والثاني‏:‏ الطغوان، وأصله على الأول‏:‏ طغيوت، وعلى الثاني‏:‏ طغووت فقدمت اللام وأخرت العين فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً فوزنه من قبل فعلوت والآن فلعوت، وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله تعالى اهتماماً بوجوب التخلية أو مراعاة للترتيب الواقعي أو للاتصال بلفظ الغي‏.‏

‏{‏وَيُؤْمِن بالله‏}‏ أي يصدق به طبق ما جاءت به رسله عليهم الصلاة والسلام ‏{‏فَقَدِ استمسك‏}‏ أي بالغ في التمسك حتى كأنه وهو متلبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه ‏{‏بالعروة الوثقى‏}‏ وهي الإيمان قاله مجاهد أو القرآن قاله أنس بن مالك أو كلمة الإخلاص قاله ابن عباس أو الاعتقاد الحق أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى أو العهد، وعلى كل تقدير يجوز أن يكون في العروة استعارة تصريحية واستمسك ترشيح لها أو استعارة أخرى تبعية، ويجوز أن يجعل الكلام تمثيلاً مبنياً على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الحق الذي لا يحتمل النقيض بوجه أصلاً لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه من غير تعرض للمفردات، واختار ذلك بعض المحققين ولا يخلو عن حسن، وجعل العروة مستعارة للنظر الصحيح المؤدي للاعتقاد الحق كما قيل ليس بالحسن لأن ذلك غير مذكور في حيز الشرط أصلاً ‏{‏لاَ انفصام لَهَا‏}‏ أي لا انقطاع لها؛ والانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح كما قال الفراء وفرق بعضهم بينهما بأن الأول‏:‏ انكسار بغير بينونة، والثاني‏:‏ انكسار بها وحينئذٍ يكون انتفاء الثاني معلوماً من نفي الأول بالأولوية، والجملة إما مستأنفة لتقرير ما قبلها من وثاقة العروة وإما حال من العروة، والعامل ‏(‏استمسك‏)‏ أو من الضمير المستكن في ‏(‏الوثقى‏)‏ لأنها للتفضيل تأنيث الأوثق، و‏{‏لَهَا‏}‏ في موضع الخبر ‏{‏والله سَمِيعٌ‏}‏ بالأقوال ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بالعزائم والعقائد، والجملة تذييل حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق لما فيها من الوعد والوعيد، قيل‏:‏ وفيها أيضاً إشارة إلى أنه لا بد في الإيمان من الاعتقاد والإقرار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏257‏]‏

‏{‏اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏257‏)‏‏}‏

‏{‏الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ‏}‏ أي معينهم أو محبهم أو متولي أمورهم والمراد بهم من أراد الإيمان أو ثبت في علمه تعالى إيمانه أو آمن بالفعل ‏{‏يُخْرِجُهُم‏}‏ بهدايته وتوفيقه وهو تفسير للولاية أو خبر ثان عند من يجوز كونه جملة أو حال من الضمير في ‏{‏وَلِيُّ‏}‏‏.‏ ‏{‏مِنَ الظلمات‏}‏ التابعة للكفر أو ظلمات المعاصي أو الشبه كيف كانت‏.‏ ‏{‏إِلَى النور‏}‏ أي نور الإيمان أو نور الطاعات أو نور الإيقان بمراتبه، وعن الحسن أنه فسر الإخراج هنا بالمنع فالمعنى يمنعهم عن أن يدخلوا في شيء من الظلمات واقتصر الواقدي في تفسير الظلمات، والنور على ذكر الكفر والإيمان وحمل كل ما في القرآن على ذلك سوى ما في الأنعام ‏(‏1‏)‏ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ الظلمات والنور‏}‏ فإن المراد بهما هناك الليل والنهار، والأولى أن يحمل الظلمات على المعنى الذي يعم سائر أنواعها ويحمل النور أيضاً على ما يعم سائر أنواعه، ويجعل في مقابلة كل ظلمة مخرج منها نور مخرج إليه حتى إنه سبحانه ليخرج من شاء من ظلمة الدليل إلى نور العيان، ومن ظلمة الوحشة إلى نور الوصلة، ومن ظلمة عالم الأشباح إلى نور عالم الأرواح إلى غير ذلك «مما لا، ولا» وأفرد النور لوحدة الحق كما أن جمع الظلمات لتعدد فنون الضلال، أو أن الأول‏:‏ إيماء إلى القلة والثاني‏:‏ إلى الكثرة‏.‏

‏{‏والذين كَفَرُواْ‏}‏ أي أرادوا الكفر أو ثبت كفرهم في علمه سبحانه أو كفروا بالفعل ‏{‏أَوْلِيَاؤُهُمُ‏}‏ حقيقة أو فيما عندهم ‏{‏الطاغوت‏}‏ أي الشياطين أو الأصنام أو سائر المضلين عن طرق الحق، والموصول مبتدأ أول، و‏(‏ أولياؤهم‏)‏ مبتدأ ثان، و‏(‏ الطاغوت‏)‏ خبره، والجملة خبر الأول والجملة الحاصلة معطوفة على ما قبلها، قيل‏:‏ ولعل تغيير السبك للاحتراز عن وضع الطاغوت في مقابلة الاسم الجليل ولقصد المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيماء إلى التباين بين الفريقين من كل وجه حتى من جهة التعبير أيضاً، وقرىء ‏(‏الطواغيت‏)‏ على الجمع وصح جمعه على القول بأنه مصدر لأنه صار اسماً لما يعبد من دون الله تعالى‏:‏ ‏{‏يُخْرِجُونَهُم‏}‏ بالوساوس وإلقاء الشبه أو بكونهم بحالة جرت اعتقادهم فيهم النفع والضر وأنهم يقربونهم إلى الله تعالى زلفى، والتعبير عنهم بضمير العقلاء إما لأنهم منهم حقيقة أو ادعاء ونسبة الإخراج إليهم مجاز من باب النسبة إلى السبب فلا يأبى تعلق قدرته وإرادته تعالى بذلك ‏{‏مّنَ النور‏}‏ أي الفطري الذي جبل عليه الناس كافة، أو نور البينات المتتابعة التي يشاهدونها بتنزيل تمكنهم من الاستضاءة بها منزلة نفسها فلا يرد أنهم متى كانوا في نور ليخرجوا منه، وقيل‏:‏ التعبير بذلك للمقابلة، وقيل‏:‏ إن الإخراج قد يكون بمعنى المنع وهو لا يقتضي سابقية الدخول، وعن مجاهد أن الآية نزلت في قوم ارتدوا فلا شك في أنهم حينئذٍ أخرجوا من النور الذي كانوا فيه وهو نور الإيمان ‏{‏إِلَى الظلمات‏}‏ وهي ظلمات الكفر والانهماك في الغي وعدم الارعواء والاهتداء بما يترى من الآيات ويتلى، والجملة تفسير لولاية الطاغوت فالانفصال لكمال الاتصال، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً كما مر‏.‏

‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما يتبع ذلك من القبائح، وجوز أن تكون إشارة إلى الكفار وأوليائهم، وفيه بعد ‏{‏أصحاب النار‏}‏ أي ملابسوها وملازموها لعظم ما هم عليه ‏{‏هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏ ماكثون أبداً، وفي هذا وعد وتحذير للكافرين، ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين كما قيل‏:‏ للإشعار بتعظيمهم وأن أمرهم غير محتاج إلى البيان وأن شأنهم أعلى من مقابلة هؤلاء، أو أن ما أعد لهم لا تفي ببيانه العبارة، وقيل‏:‏ إنّ قوله سبحانه‏:‏ ‏(‏ولي المؤمنين‏)‏ دل على الوعد وكفى به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏258‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏258‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ‏}‏ بيان لتسديد المؤمنين إذ كان وليهم وخذلان غيرهم ولذا لم يعطف، واهتم ببيانه لأن منكري ولايته تعالى للمؤمنين كثيرون، وقيل‏:‏ استشهاد على ما ذكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت وتقرير لهم كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقرير لها، وبدأ به لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله ولاستقلاله بأمر عجيب حقيق بأن يصدر به المقال وهو اجتراؤه على المحاجة في الله عز وجل، وما أتى به في أثنائها من العظمة المنادية بكمال حماقته، ولأن فيما بعد تعداداً وتفصيلاً يورث تقديمه انتشار النظم على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هدايته تعالى أيضاً بواسطة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنّ ما يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وادحاض حجة الكافرين من آثار ولايته تعالى ولا يخفى ما فيه، وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي، والجمهور على أن في الكلام معنى التعجب أي ألم تنظر، أو ألم ينته علمك إلى قصة هذا الكافر الذي لست بوليّ له كيف تصدى لمحاجة من تكفلت بنصرته وأخبرت بأني ولي له ولمن كان من شيعته أي قد تحققت رؤية هذه القصة العجيبة وتقررت بناءاً على أن الأمر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد ممن له حظ من الخطاب فلتكن في الغاية القصوى من تحقق ما ذكرته لك من ولايتي للمؤمنين وعدمها للكافرين ولتطب نفسك أيها الحبيب وأبشر بالنصر فقد نصرت الخليل، وأين مقام الخليل من الحبيب، وخذلت رأس الطاغين فكيف بالأذناب الأرذلين، والمراد بالموصول نمروذ بن كنعان بن سنجاريب وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، كما قاله مجاهد وغيره وإنما أطلق على ما وقع لفظ المحاجة وإن كانت مجادلة بالباطل لإيرادها موردها، واختلف في وقتها فقيل‏:‏ عند كسر الأصنام وقبل إلقائه في النار وهو المروي عن مقاتل وقيل‏:‏ بعد إلقائه في النار وجعلها عليه برداً وسلاماً وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريف له وإيذان من أول الأمر بتأييد وليه له في المحاجة فإن التربية نوع من الولاية‏.‏

‏{‏ءانٍ آتاه الله الملك‏}‏ أي لأن آتاه الله تعالى ذلك فالكلام على حذف اللام وهو مطرد في أن، وإن وليس هناك مفعولاً لأجله منصوب لعدم اتحاد الفاعل، والتعليل فيه على وجهين‏:‏ إما أن إيتاء الملك حمله على ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأت المحاجة عنهما، وإما أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذ كان من حقه أن يشكر على ذلك فعلى الأول‏:‏ العلة تحقيقية، وعلى الثاني‏:‏ تهكمية كما تقول‏:‏ عاداني فلان لأني أحسنت إليه وجوز أن يكون ‏{‏آتاه‏}‏ الخ واقعاً موقع الظرف بدون تقدير أو بتقدير مضاف أي حاج وقت أن آتاه الله وأورد عليه أن المحاجة لم تقع وقت إيتاء الملك بل الإيتاء سابق عليها، وبأن النحاة نصوا على أنه لا يقوم مقام الظرف الزماني إلا المصدر الصريح بلفظه كجئت خفوق النجم، وصياح الديك ولا يجوز إن خفق وإن صاح‏.‏

وأجيب باعتبار الوقت ممتداً، وبأن النص معارض بأنهم نصوا على أن ‏(‏ما‏)‏ المصدرية تنوب عن الزمان وليست بمصدر صريح، والذي جوز ذلك ابن جني والصفار في «شرح الكتاب»، والحق أن التعليل لما أمكن وهو متفق عليه خال عما يقال لا ينبغي أن يعدل عنه لا سيما وتقدير المضاف مع القول بالامتداد والتزام قول ابن جني والصفار مع مخالفته لكلام الجمهور في غاية من التعسف، والآية حجة على من منع إيتاء الله الملك لكافر وحملها على إيتاء الله تعالى ما غلب به وتسلط من المال والخدام والاتباع، أو على أن الله تعالى ملكه امتحاناً لعباده كما فعل المانع القائل بوجوب رعاية الأصلح ليس بشيء إذ من له مسكة من الإنصاف يعلم أنه لا معنى لإيتاء الملك والتسليط إلا إيتاء الأسباب ولو سلم ففي إيتاء الأسباب يتوجه السؤال ولو سلم فما من قبيح إلا ويمكن أن يعتبر فيه غرض صحيح كالامتحان، ولقوة هذا الاعتراض التزم بعضهم جعل ضمير ‏{‏آتاه‏}‏ لإبراهيم عليه السلام لأنه تعالى قال‏:‏ ‏{‏لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 124‏]‏ وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 54‏]‏ وهو المحكي عن أبي قاسم البلخي ولا يخفى أنه خلاف المنساق إلى الذهن وخلاف التفسير المأثور عن السلف الصالح، والواقع مع هذا يكذبه إذ ليس لإبراهيم عليه السلام إذ ذاك ملك ولا تصرف ولا نفوذ أمر‏.‏

وذهب بعض الإمامية إلى أن الملك الذي لا يؤتيه الله للكافر هو ما كان بتمليك الأمر والنهي، وإيجاب الطاعة على الخلق، وأما ما كان بالغلبة وسعة المال ونفوذ الكلمة قهراً كملك نمروذ فهو مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان أو تكون فيه كلمتان، والقول بأن هذا المارد أعطى الملك بالاعتبار الأول خارج عن الإنصاف بل الذي أوتي ذلك في الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلا أنه قد عورض في ملكه وغولب على ما منّ الله تعالى به عليه إلى أن قضى الله تعالى ما قضى ومضى من مضى وللباطل جولة ثم يزول، وهو كلام أقرب ما يكون إلى الصواب لكني أشم منه ريح الضلال، ويلوح لي أنه تعريض بالأصحاب والله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وفي العدول عن الإضمار إلى الإظهار في هذا المقام ما لا يخفى‏.‏

‏{‏إِذْ قَالَ‏}‏ ظرف لحاج، وجوّز أن يكون بدلاً من ‏(‏آتاه‏)‏ بناءاً على القول الذي علمت، واعترضه أبو حيان بأن الظرفين مختلفان إذ وقت إيتائه الملك ليس وقت إبراهيم عليه السلام ‏{‏رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ‏}‏ فإنه على ما روي قاله بعد أن سجن لكسره الأصنام وإثر قول نمروذ له وقد كان أوتي قبل الملك‏:‏ مَن ربك الذي تدتو إليه‏؟‏ وأجاب السفاقسي بالتجوز في ‏{‏آتاه‏}‏ وعدم إرادة ابتداء الإتيان منه بل زمان الملك وهو ممتد يسع قولين بل أقوالاً، واعترض أبو البقاء أيضاً بأن المصدر غير الظرف فلو كان بدلاً لكان غلطاً إلا أن يجعل ‏(‏إذ‏)‏ بمعنى أن المصدرية، وقد جاء ذلك، وقال الحلبي‏:‏ وهذا بناءاً منه على أن إنّ مفعول من أجله وليست واقعة موقع الظرف أما إذا كانت واقعة موقعه فلا يكون بدل غلط بل بدل كل من كل، وفيه ما تقدم من الكلام، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون بدلاً من ‏{‏آتاه‏}‏ بدل اشتمال، واستشكل بعضهم على جميع ذلك موقع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ‏}‏ إلا أن يجعل استئنافاً جواب سؤال، وجعله بمنزلة المرئي يأبى ذلك، ومن هنا قيل‏:‏ إن الظرف متعلق بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ أَنَا‏}‏ الخ، ويقدر السؤال قبل إذ قال كأنه قيل‏:‏ كيف حاج إبراهيم‏؟‏ فأجيب بما أجيب، ولا يخفى أن الإباء هو الإباء، فالأولى القول من أول الأمر بأن هذا القول بيان لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏حَاجَّ‏}‏، و‏{‏رَبّى‏}‏ بفتح الياء، وقرىء بحذفها، وأراد عليه السلام بيحيي ويميت يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد اللعين غير ذلك فقد روي عنه أنه أتي برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر وقال ما قال، ولما كان هذا بمعزل عن المقصود وكان بطلانه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد والتعرض لإبطال مثل ذلك من قبيل السعي في تحصيل الحاصل أعرض الخليل عليه الصلاة والسلام عن إبطاله وأتى بدليل آخر أظهر من الشمس‏.‏

‏{‏قَالَ إبراهيم فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب‏}‏ وفيه دليل على جواز انتقال المجادل من حجة إلى أخرى أوضح منها، وهي مسألة متنازع فيها، وحمل ذلك على هذا أحد طريقين مشهورين في الآية، وثانيهما أن الإنتقال إنما هو في المثال كأنه قال‏:‏ ربي الذي يوجد الممكنات ويعدمها وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً فلما اعترض جاء بمثال أجلى دفعاً للمشاغبة، قال الإمام‏:‏ والإشكال عليهما من وجوه‏:‏ الأول‏:‏ أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ووقعت تلك الشبهة في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب، وذكر الجواب في الحال إزالة للتلبيس والجهل عن العقول، فلما طعن المارد في الدليل أو في المثال الأوّل بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالتها واجباً مضيقاً فكيف يليق المعصوم تركه والانتقال إلى شيء آخر‏؟‏ والثاني‏:‏ أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال كان ترك المحق الكلام عليه والتنبيه على ضعفه مما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز‏.‏

والثالث‏:‏ انه وإن كان الانتقال من دليل إلى آخر أو من مثال إلى غيره لكنه يجب أن يكون المتنقل إليه أوضح وأقرب وههنا ليس كذلك لأن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة عليه فلا يبعد وجود ملك عظيم الجثة يكون محركاً للسموات فعلى هذا الاستدلال بالإماتة والإحياء أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح إلى الدليل الخفي‏؟‏ والرابع‏:‏ أن المارد لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين من الله تعالى بالقتل والتخلية فكيف يؤمن منه عند الانتقال إلى طلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك إله فقال له حتى يطلعها من المغرب وعند ذلك التزم المحققون أنه لو أورد هذا السؤال لكان الواجب أن يطلعها من المغرب، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام في الاطلاع، وأيضاً فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب يكون الدليل على وجود الصانع هو هذا الطلوع لا الطلوع الأول، وحينئذ يصير ذلك ضائعاً كما صار الأول كذلك، وأيضاً فما الذي حمل الخليل عليه السلام على ترك الجواب عن السؤال الركيك وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب وبتقدير ذلك يضيع الدليل الثاني كما ضاع الأوّل، ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا تليق بأقل الناس علماً فضلاً عن أفضل العلماء وأعلم الفضلاء‏.‏ فالحق أن هذا ليس دليلاً آخر ولا مثال بل هو من تتمة الدليل الأول، وذلك أنه لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإماتة والاحياء أورد الخصم عليه سؤالا وهو أنك إن ادعيت الإحياء والاماتة بلا واسطة فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر فأجاب الخليل عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الاحياء والاماتة منه بخلاف الخلق فإنهم لا قدرة لهم على تحريك الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم، ومتى حملت الآية على هذا الوجه لم يلزم شيء من المحذورات عليه انتهى‏.‏

ولا يخفي ما فيه‏.‏ أما أولاً‏:‏ فلأن الشبهة إذا كانت في غاية السقوط ونهاية البطلان بحيث لا يكاد يخفى حالها ولا يغر أحداً من الناس الها لم يمتنع الإعراض عنها إلى ما هو بعيد عن التمويه دفعاً للشغب وتحصيلاً لما هو المقصود من غير كثير تعب، ولا يوجب ذلك سقوط وقع ولا حقارة شأن وأي تلبيس يحصل من هذه الشبهة للعقول حتى يكون الاشتغال بإزالتها واجباً مضيقاً فيخل تركه بالمعصوم على أنه روي أنه ما انتقل حتى بين للمارد فساد قوله حيث قال له‏:‏ إنك أحييت الحي ولم تحي الميت، وعن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال له‏:‏ أحي من قتلته إن كنت صادقاً لكن لم يقص الله تعالى ذلك الإلزام علينا في الكتاب اكتفاءاً بظهور الفساد جداً، وأما ثانياً‏:‏ فلأنه من الواضح أن المنتقل إليه أوضح في المقصود من المنتقل عنه ويكاد القول بعكسه يكون مكابرة، وما ذكره في معرض الاستدلال لا يخفى ما فيه، وأما ثالثاً‏:‏ فلأن ما ذكره رابعاً يرد أيضاً على الوجه الذي اختاره إذ لا يؤمن المارد من أن يقول لو كانت حركات الأفلاك من ربك فقل له حتى يطلعها من المغرب فما هو الجواب هنا هو الجواب وقد أجابوا عن عدم قول اللعين ذلك بأن المحاجة كانت بعد خلاصه من النار فعلم أن من قدر على ذلك قدر على الاتيان بالشمس من مغربها فسكت، أو بأن الله تعالى أنساه ذلك نصرة لنبيه عليه السلام وهو ضعيف بل الجواب أنه عليه السلام استدل بأنه لا بد للحركة المخصوصة والمتحرك بها من محرك لأن حاجة المتحرك في الحركة إلى المحرك بديهية، وبديهي أنه ليس بنمروذ فقال‏:‏ هو ذا ربي فإن ادعيت أنك الذي تفعل فأت بها من المغرب وهذا لا يتوجه عليه السؤال بوجه إذ لو ادعى أن الحركة بنفسها مع أنها مسبوقة بالغير ولو بآحاد الحركات كان منع البديهي ولو ادعى أنه الفاعل مع ظهور استحالته ألزم بالتغيير عن تلك الحالة فلا بد من الاعتراف بفاعل يأتي بها من المشرق، والمدعي أن ذلك الفاعل هو الرب، وأما رابعاً‏:‏ فلأن ما اختاره لا تدل عليه الآية الكريمة بوجه، وليس في كلام الكافر سوى دعواه الإحياء والإماتة ولم يستشعر منها بحث توسط حركات الأفلاك ولم يوقف له على أثر ليجاب بأن تلك الحركات أيضاً من الله تعالى فلا يقدح توسطها في كون الاحياء والاماتة منه تعالى شأنه ولا أظنك في مرية من هذا ولعل الأظهر ما ذهب إليه الإمام ما ذكره بعض المحققين من أن المارد لما كان مجوزاً لتعدد الآلهة لم يكن مدعياً أنه إله العالم ولو ادعاه لجنن على نحو من مذهب الصائبة أن الله تعالى فوض إلى الكواكب التدبير والأفعال من الإيجاد وغيره منسوبة إليهن، فجوز أن يكون في الأرض أيضاً من يفوض إليه إما قولاً بالحلول أو لاكتساء خواص فلكية أو غير ذلك أراد إبراهيم عليه السلام أن ينبه على قصوره عن هذه الرتبة وفساد رأيه من جهة علمه الضروري بأنه مولود أحدث بعد أن لم يكن وأن من لا وجود له في نفسه لا يمكنه الإيجاد الذي هو إفاضة الوجود ألبتة ضرورة احتياجه إلى الموجد ابتداءاً ودواماً وهذا كاف في إبطال دعوى اللعين فلم يعمم الدعوى في تفرده تعالى بالإلهية على أنه لوّح إليه من حيث إنه لا فرق بين الإيجاد والإعدام نوعين هما الإحياء والإماتة والقادر على إيجاد كل ممكن وإعدامه يلزمه أن يكون خارجاً عن الممكنات واحداً من كل الوجوه لأن التعدد يوجب الإمكان والافتقار كما برهن عليه في محله، فعارضه اللعين بما أوهم أنه يجوز أن يكون الممكن لاستغنائه عن الفاعل في البقاء كما عند بعض القاصرين من المتكلمين مفوضاً إليه بعد إيجاده ما يستقل بإيجاد الغير وتدبير الغير، وهذا قد خفي على الأذكياء فضلاً عن الأغبياء، وقال‏:‏ أنا أحيي وأميت وأبدي فعليه مشيراً إلى أن للدوام حكم الابتداء في طرف الإحياء وهو في ذلك مناقض نفسه من حيث لا يشعر إذ لو كان كذلك لم يكن التدبير مفوضاً إلى غير الباري ولم يكن مستغنياً عن الموجد طرفة عين وإلا فليس العفو إحياءاً إن سلم أن القتل إماتة فألزمه الخليل عليه السلام بأن القادر لا يفترق بالنسبة إليه الدوام والابتداء فإن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب منبهاً على المناقضة المذكورة مصرحاً بأنه غالط في إسناد الفعل دواماً إلى غير ما أسند إليه ابتداءاً مظهراً لدى السامعين ما كان عسى أن يغبي على البعض فهذا كلام وارد على الخطابة، والبرهان يتلقاه المواجه به طوعاً أو كرهاً بالإذعان ليس فيه مجال للاعتراض سليم عن العراض، وعليه يكون المجموع دليلاً واحداً وليس من الانتفال إلى دليل آخر لما فيه من القيل والقال، ولا من العدول إلى مثال أوضح حتى يقال كأنه قيل‏:‏ ربي الذي يوجد الممكنات وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً، فلما اعترض جاء بآخر أجلى دفعاً للمشاغبة لأنه مع أن فيه ما في الأول يرد عليه أن الكلام لم يسق هذا المساق كما لا يخفى هذا والله تعالى أعلم بحقائق كتابه المجيد فتدبر‏.‏

وإنما أتى في الجملة الثانية بالاسم الكريم ولم يؤت بعنوان الربوبية كما أتى بها في الجملة الأولى بأن يقال‏:‏ إن ربي ليكون في مقابلة أنا في ذلك القول مع ما فيه من الدلالة على ربوبيته تعالى له عليه السلام ولذلك المارد عليه اللعنة ففيه ترق عما في تلك الجملة كالترقي من الأرض إلى السماء وهو في هذا المقام حسن حسن التأكيد بأن والأمر للتعجيز والفاء الأولى للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها، والمعنى إذا ادعيت الإحياء والإماتة لله تعالى وأخطأت أنت في الفهم أو غالطت فمريح البال ومزيح الالتباس والأشكال ‏(‏إن الله يأتي بالشمس‏)‏ الخ‏.‏

والباء للتعدية و‏(‏ من‏)‏ في الموضعين لابتداء الغاية متعلقة بما تقدمها من الفعل، وقيل‏:‏ متعلقة بمحذوف وقع حالا أي مسخرة أو منقادة

‏{‏فَبُهِتَ الذى كَفَرَ‏}‏ أي غلب وصار مبهوتاً منقطعاً عن الكلام متحيراً لاستيلاء الحجة عليه، وقرىء ‏(‏بهت‏)‏ بفتح الباء وضم الهاء وبهت بفتح الأولى وكسر الثانية وهما لغتان والفعل فيهما لازم وبهت بفتحهما فيجوز أن يكون لازماً أيضاً، و‏(‏ الذي‏)‏ فاعله وأن يكون متعدياً وفاعله ضمير إبراهيم، و‏(‏ الذي‏)‏ مفعوله أي فغلب إبراهيم عليه السلام الكافر وأسكته وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم، قال إلكيا‏:‏ وفي الآية دليل على جواز المحاجة في الدين وإن كانت محاجة هذا الكافر كفراً ‏{‏والله يَهْدِى القوم الظالمين‏}‏ أي إلى مناهج الحق كما هدى أولياءه، وقيل‏:‏ لا يهديهم إلى طريق الجنة يوم القيامة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏259‏]‏

‏{‏أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏259‏)‏‏}‏

‏{‏أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ‏}‏ عطف على سابقه والكاف إما اسمية بمعنى مثل معمولة لأرأيت محذوفاً أي أو أرأيت مثل الذي مر وإلى ذلك ذهب الكسائي والفراء وأبو علي وأكثر النحويين وحذف لدلالة ‏{‏ألم تر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 258‏]‏ عليه على أنه قد قيل‏:‏ إن مثال هذا النظم كثيراً ما يحذف منه فعل الرؤية كقوله‏:‏

قال لها كلابها أسرعي *** كاليوم ‏(‏مطلوباً ولا طاباً‏)‏

وجيء بهذه الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما كما في قولك الفعل الماضي مثل‏:‏ نصر، وتخصيص هذا بذلك على ما قيل‏:‏ لأن منكر الإحياء كثير، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية، وقيل‏:‏ إنها زائدة وإلى ذلك ذهب الأخفش أي‏:‏ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر الخ، وقيل‏:‏ إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل‏:‏ ألم تر كالذي حاج أو كالذي مر وقيل‏:‏ إنه من كلام إبراهيم عليه السلام ذكره جواباً لمعارضة ذلك الكافر، وتقديره وإن كنت تحيي فأحي كإحياء الذي مرّ، ولا يخفى ضعفه للفصل وكثرة التقدير، وإنما لم تجعل الكاف أصلية والعطف على ‏{‏الذى‏}‏ نفسه في الآية السابقة لاستلزامه دخول ‏(‏إلى‏)‏ على الكاف، وفيه إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها مشبهة بالحرف في عدم التصرف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم، وهو عن وذلك على قلة أيضاً، وقال بعضهم‏:‏ إن كلا من لفظ ‏(‏ألم تر‏)‏ و‏(‏ أرأيت‏)‏ مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول‏:‏ تعلق بالتعجب منه فيقال‏:‏ ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله، والثاني‏:‏ بمثل المتعجب منه فيقال أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع، ولذا لم يستقم عطف ‏(‏الذي مر‏)‏ على ‏{‏الذي حاج‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 258‏]‏ ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقاً بمحذوف أي أرأيت كالذي مر فيكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظراً إلى أنه في معنى أرأيت كالذي حاج فيصح العطف عليه؛ ومن هذا يعلم أن عدم الاستقامة ليس لمجرد امتناع دخول ‏(‏إلى‏)‏ على الكاف بل لو قلت‏:‏ ألم ترى إلى الذي حاج أو مثل الذي مر فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام، وإن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بد في التعجب بكلمة ‏(‏أرأيت‏)‏ من إثبات كاف، أو ما في معناه ولا يخفى أن هذا من الغرابة بمكان فإن ‏(‏ألم تر‏)‏ يستعمل للتعجب مع التشبيه في كلام العرب كما يشير إليه كلام سيبويه، و‏(‏ أرأيت‏)‏ كثيراً ما يستعمل بدون الكاف أو ما في معناه، وهو في القرآن كثير وكيف يفرق بينهما بأن الأول تعلق بالمتعجب منه، وفي الثاني بمثله، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولاً سوى أن تقدير ‏(‏أرأيت‏)‏ مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبر‏.‏

و ‏(‏أو‏)‏ للتخيير أو للتفصيل والمار هو عزيز بن شرخيا كما أخرجه الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير وقيل‏:‏ هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب وهب، وقيل‏:‏ هو الخضر عليه السلام وحكي ذلك عن ابن إسحق وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد، وأن أرميا هو الخضر بعينه، وقيل‏:‏ شعيا، وقيل‏:‏ غلام لوط عليه السلام، وقال مجاهد‏:‏ كان المار رجلاً كافراً بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً وليست هي فيه مثلها في ‏{‏أنى يَكُونُ لِي غلام‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 40‏]‏ و‏{‏أنى يَكُونُ لِى وَلَدٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 47‏]‏ وعورض بما بين قصته إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي فإن كليهما طلبا معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره قوى المعارض جداً، وإن قلنا‏:‏ بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على الإيمان أحق لينطبق على التفصيل المقدم في ‏{‏الله وَلِىٌّ الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 257‏]‏ الخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبل لم يكد يتوهم القول بالكفر كما لا يخفى، والقرية قال ابن زيد‏:‏ هي التي خرج منها الألوف، وقال الكلبي‏:‏ دير سابراباد، وقال السدي‏:‏ دير سلما باذ، وقيل‏:‏ دير هرقل، وقيل‏:‏ المؤتفكة، وقيل‏:‏ قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس، وقال عكرمة والربيع ووهب‏:‏ هي بيت المقدس وكان قد خربها بخنتصر وهذا هو الأشهر، واشتقاقها من القرى وهو الجمع

‏{‏وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا‏}‏ أي ساقطة على سقوفها بأن سقط السقف أولا ثم تهدمت الجدران عليه، وقيل‏:‏ المعنى خالية عن أهلها ثابتة على عروشها أي إن بيوتها قائمة والجار والمجرور على الأول متعلق بخاوية وعلى الثاني بمحذوف وقع خبراً بعد خبر لهي والجملة قيل‏:‏ في موضع الحال من الضمير المستتر في ‏(‏مرّ‏)‏ وقيل‏:‏ من ‏(‏قرية‏)‏ ويجيء الحال من النكرة على القلة، وقيل‏:‏ في موضع الصفة لها ويبعده توسط الواو، ومن الناس من جوز كون ‏{‏على عُرُوشِهَا‏}‏ بدلاً من ‏{‏قَرْيَةٌ‏}‏ بإعادة الجار وكونه صفة لها، وجملة ‏{‏وَهِىَ خَاوِيَةٌ‏}‏ إما حال من العروش أو من القرية أو من ها والعامل معنى الإضافة والكل مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه ‏{‏قَالَ‏}‏ في نفسه أو بلسانه ‏{‏أنى يُحْىِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏ المشار إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر، فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب، أو بتقدير مضاف أي أصحاب هذه القرية فالإحياء والإماتة على حقيقتها، وإما عظام القرية البالية وجثثهم المتفرقة، والسياق دال على ذلك، والإحياء والإماتة على حالهما أيضاً، فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلهف والتشوق إلى عمارة تلك القرية لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده ولذا أراه الله تعالى أبعد الأمرين في نفسه ثم في غيره، ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغة في إزاحة ما عسى يختلف في خلده، وعلى القول الثاني يكون اعترافاً بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي إذا قلنا‏:‏ إن القائل كان مؤمناً وإنكاراً للقدرة على ذلك إن كان كافراً، ورجح أول الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء لأهل، أو عظامهم يأباه التعرض لحال القرية دون حال من ذكر، والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم تراباً أو عظاماً نخرة مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت إرادته تعالى بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستسمعه، وتقديم المفعول على الفاعل للاعتناء به من حيث إن الاستبعاد ناشىء من جهته لا من جهة الفاعل، و‏{‏إِنّى‏}‏ نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف، والعامل فيه على أي حال ‏{‏يحيى‏}‏‏.‏

‏{‏فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ‏}‏ أي فألبثه ميتاً مائة عام ولا بد من اعتبار هذا التضمين لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لا تمتد، والعام السنة من العوم وهو السباحة، وسميت بذلك لأن الشمس تعوم في جميع بروجها ‏{‏ثُمَّ بَعَثَهُ‏}‏ أي أحياه من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها، ولعل إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على الباري عز اسمه، وللإيذان بأنه قام كهيئته يوم مات عاقلاً فاهما مستعداً للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية، ففي «البحر» أنه لما مر له سبعون سنة من موته وقد منعه الله تعالى من السباع والطير ومنع العيون أن تراه أرسل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له‏:‏ كوسك فقال‏:‏ إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان ألف عامل وجعلوا يعمرونها وأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس فعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه فعند ذلك أحياه الله تعالى

‏{‏قَالَ‏}‏ استئناف مبني على السؤال كأنه قيل‏:‏ فماذا قال له‏؟‏ فقيل قال‏:‏ ‏{‏كَمْ لَبِثْتَ‏}‏ ليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة و‏{‏كَمْ‏}‏ نصب على الظرفية ومميزها محذوف تقديره‏:‏ كم وقتاً والناصب له ‏{‏لَبِثْتُ‏}‏ والظاهر أن القائل هو الله تعالى، وقيل‏:‏ هاتف من السماء، وقيل‏:‏ جبريل، وقيل‏:‏ نبي، وقيل‏:‏ رجل مؤمن شاهده يوم مات وعمر إلى حين إحيائه فيكون الإسناد إليه تعالى مجازاً ‏{‏قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ قاله بناءاً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لبثه، وقيل‏:‏ إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس‏:‏ ‏{‏يَوْماً‏}‏ ثم التفت فرأى بقية منها فقال‏:‏ ‏{‏أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ على الاضراب، واعترض بأنه لا وجه للجزم بتمام اليوم ولو بناءاً على حسبان الغروب لتحقق النقصان من أوله ‏{‏قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ‏}‏ عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار ‏{‏فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ‏}‏ قيل‏:‏ كان طعامه عنباً أو تيناً وشرابه عصيراً أو لبناً ‏{‏لَمْ يَتَسَنَّهْ‏}‏ أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة، واشتقاقه من السنة وفي لامها اختلاف فقيل‏:‏ هاء بدليل سانهت فلانا فهو مجزوم بسكون الهاء، وقيل‏:‏ واو بدليل الجمع على سنوات فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت ثبتت في الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه، ويجوز أن يكون التسنه عبارة عن مضي السنين كما هو الأصل ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضاً طرياً غير متكرج، وقيل‏:‏ أصله لم يتسنن ومنه الحمأ المسنون أي الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظننت‏:‏ تظنيت وفي تقضضت‏:‏ تقضيت، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة في رأي ياء، ثم أبدلت الياء ألفاً، ثم حذفت للجازم والجملة المنفية حال، وقد جاء مثلها بغير واو خلافاً لمن تردد فيه كقوله تعالى‏:‏

‏{‏لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 174‏]‏ و‏{‏أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 39‏]‏ وصاحبها إما الطعام والشراب، وإفراد الضمير لإجرائهما مجرى الواحد كالغذاء وإما الأخير واكتفى بدلالة حاله على حال الأول ويؤيده قراءة عبد الله، وهذا شربك لم يتسنه وقرأ أبي لم يسنه بإدغام التاء في السين واستشكل تفرع ‏{‏فانظر‏}‏ على لبث المائة بالفاء وهو يقتضي التغير، وأجيب بأن المفرع عليه ليس لبث المائة بل لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زماناً قليلاً ففرع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حياً من غير غذاء، وقيل‏:‏ إن التقدير إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر على البعث‏.‏ وفيه نظر لأنه مع كونه خلاف الظاهر يعكر عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وانظر إلى حِمَارِكَ‏}‏ كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصاله وهذا هو الظاهر لأنه أدل على الحال وأوفق بما بعده، وكون المراد أنظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب ليس بشيء ولا يساعده المأثور ‏{‏وَلِنَجْعَلَكَ‏}‏ متعلق بمقدر أي وفعلنا ذلك لنجعلك، ومنهم من قدره متأخراً، وقيل‏:‏ إنه متعلق بما قبله والواو زائدة وعلى تقديره فهو معطوف على ‏{‏لَبِثْتُ‏}‏ أو على مقدر بطريق الاستئناف أي فعلنا ذلك لتعاين ما استبعدت أو لتهدي ولنجعلك، وقيل‏:‏ إنه عطف على ‏{‏قَالَ‏}‏ ففيه التفات‏.‏ ‏{‏ءايَةً‏}‏ أي عبرة أو مرشداً ‏{‏لِلنَّاسِ‏}‏ أي جنسهم أو من بقي من قومه أو للموجودين في هذا القرن بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرون الخالية ويأخذوا عنك ما انطوى عنهم منذ أحقاب من علم التوراة، وفيه دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك قرن بينه وبين الأمر بالنظر إلى حماره

‏{‏وانظر إِلَى العظام‏}‏ أي عظام الحمار كما قاله السدي وكرر الأمر لما أن المأمور به أولا هو النظر إليها من حيث الدلالة على المكث المديد، وثانياً‏:‏ هو النظر إليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها، وقيل‏:‏ عظام أموات أهل القرية، وعن قتادة‏.‏ والضحاك‏.‏ والربيع عظام نفسه قالوا‏:‏ أول ما أحيا الله تعالى منه عيناه وسائر جسده ميت وعظامه نخرة فأمر بالنظر إليها، وقيل‏:‏ عظامه وعظام حماره والكل لا يعول عليه‏.‏ ‏{‏كَيْفَ نُنشِزُهَا‏}‏ بالزاي المعجمة من الإنشاز وهو الرفع أي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، وقال الكسائي‏:‏ نلينها ونعظمها، وقرأ أبيّ ‏(‏ننشيها‏)‏، وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب ننشرها من أنشر الله تعالى الموتى أحياها ولعل المراد بالإحياء ما تقدم لا معناه الحقيقي لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا‏}‏ أي نسترها به كما نستر الجسد باللباس، وقرأ أبان عن عاصم ننشرها بفتح النون وضم الشين والراء وهو حينئذ من النشر ضد الطي كما قال الفراء فالمعنى كيف نبسطها، والجملة قيل‏:‏ إما حال من العظام أي وانظر إليها مركبة مكسوة لحماً أو بدل اشتمال أي وانظر إلى العظام كيفية إنشازها وبسط اللحم عليها، واعترضت الحالية بأن الجملة استفهامية وهي لا تقع حالا، وأجيب بأن الاستفهام ليس حقيقته فما المانع من الحالية، ولعل عدم التعرض لكيفية نفخ الروح كما قيل لما أنها مما لا تقتضي الحكمة بيانها، وفي بعض الآثار إن ملكاً نادى العظام فأجابت وأقبلت من كل ناحية ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الروح فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً

‏{‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ‏}‏ أي اتضح اتضاحاً تاماً له ما دل عليه الأمر من كيفية الإحياء بمباديه، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الأمر المذكور وإنما حذف للإيذان بظهور تحققه واستغنائه عن الذكر وللاشعار بسرعة وقوعه كأنه قيل‏:‏ فأنشرها الله تعالى وكساها لحماً فنظر إليها فتبين له كيفيته فلما تبين ذلك ‏{‏قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء‏}‏ ومن جلمته ما شوهد ‏{‏قَدِيرٌ‏}‏‏.‏

وقيل‏:‏ فاعل ‏(‏تبين‏)‏ مضمر يفسره مفعول ‏(‏أعلم‏)‏ فالكلام من باب التنازع على مذهب البصريين، وأورد عليه أن شرط التنازع كما نص عليه النحاة اشتراك العاملين بعطف ونحوه بحيث يرتبطان فلا يجوز ضربني أهنت زيداً قيل‏:‏ وليس بشيء لأنه لم يشترطه إلا ابن عصفور، وقد صرح بازات الفن بخلافه كأبي علي وغيره مع أنه لم يخص بالعطف إذ هو جار في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 19‏]‏ ولما رابطة للجملتين فيكفي مثله في الربط وإن لم يصرحوا به، ومن الناس من استحسن أن يجعل من باب ما يكون المراد بالفعل نفس وقوعه لا التلبس بالفاعل فكان معناه فلما فلما حصل له التبين قال أعلم الخ، ويساعده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ‏{‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ‏}‏ على البناء للمفعول، وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن علمه بذلك مستمر نظراً إلى أن أصله لم يتغير بل إنما تبدل بالعيان وصفه، وفيه إشعار بأنه إنما قال ما قال بناءاً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر، وقرأ ابن مسعود قيل اعلم على وجه الأمر، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏{‏قَالَ أَعْلَمُ‏}‏ ويقول‏:‏ لم يكن بأفضل من إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى له‏:‏

‏{‏أَعْلَمُ أَنَّ الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 260‏]‏ وبذلك قرأ حمزة والكسائي، والآمر هو الله تعالى أو النبي أو الملك، ويحتمل أن يكون المخاطب هو نفسه على سبيل التجريد مبكتاً لها موبخاً على ما اعتراها من ذلك الاستبعاد، يروى أنه بعد هذا القول قام فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكرهم وأنكر منازلهم فانطلق على وهم منهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة له وكان قد خرج عزير وهي بنت عشرين سنة فقال لها‏:‏ يا هذه أهذا منزل عزير‏؟‏ قالت‏:‏ نعم وبكت وقالت‏:‏ ما رأيت أحداً منذ كذا وكذا وكذا سنة يذكر عزيراً وقد نسيه الناس قال‏:‏ فإني أنا عزير قالت‏:‏ سبحان الله فإن عزيراً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم يسمع له بذكر قال‏:‏ فإني عزير كان الله تعالى أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت‏:‏ فإن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله تعالى أن يرد عليّ بصري حتى أراك فإن كنت عزيراً عرفتك فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال‏:‏ قومي بإذن الله تعالى فأطلق الله تعالى رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال فنظرت فقالت‏:‏ أشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وأنديتهم ومجالسهم، وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت‏:‏ هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت‏:‏ أنا فلانة مولاتكم دعا إلى ربه فرد عليّ بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه فنهض الناس فأقبلوا عليه فنظروا إليه فقال ابنه‏:‏ كانت لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل‏:‏ فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فنزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، وفي رواية أنه قرأها عليهم حين طلبوا منه ذلك عن ظهر قلب من غير أن يخرم منها حرفاً فقال رجل من أولاد المسبيين مما ورد بيت المقدس بعد مهلك بختنصر‏:‏ حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم فذهبوا إلى كرم جده ففتشوها فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عن ظهر قلب فما اختلفا في حرف واحد فعند قالوا‏:‏ عزير ابن الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً‏.‏

ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات‏:‏ ‏{‏لا إِكْرَاهَ فِى الدين‏}‏ لأنه في الحقيقة هو الهدى المستفاد من النور القلبي اللازم للفطرة وهو لا مدخل للإكراه فيه ‏{‏قَد تَّبَيَّنَ‏}‏ ووضح ‏{‏الرشد‏}‏ الذي هو طريق الوحدة وتميز ‏{‏مِنَ الغي‏}‏ الذي هو النظر إلى الأغيار ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت‏}‏ وهو ما سوى الله تعالى ‏{‏وَيُؤْمِن بالله‏}‏ إيماناً حقيقياً شهودياً ‏{‏فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى‏}‏ التي هي الوحدة الذاتية ‏{‏لاَ انفصام لَهَا‏}‏ في نفسها لأنها الموافقة لما في نفس الأمر والممكنات والشؤون داخلة في دائرتها غير منقطعة عنها ‏{‏والله سَمِيعٌ‏}‏ يسمع قول كل ذي دين ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 256‏]‏ بنيته ‏{‏الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ‏}‏ وليس وليّ سواه ولا ناصر ولا معين لهم غيره ‏{‏يُخْرِجُهُم مّنَ‏}‏ ظلمات النفس وشبه الخيال والوهم إلى نور اليقين والهداية وفضاء عالم الأرواح ‏{‏والذين كَفَرُواْ‏}‏ بالميل إلى الاغيار ‏{‏أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت‏}‏ الذي حال بينهم وبين الله تعالى فلم يلتفتوا إليه ‏{‏يُخْرِجُونَهُم مّنَ‏}‏ نور الاستعداد والهداية الفطرية إلى ظلمات صفات النفس والشكوك والشبهات ‏{‏أولئك‏}‏ المبعدون عن الحضرة ‏{‏أصحاب النار‏}‏ الطبيعية ‏{‏هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 257‏]‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ‏}‏ وهو نمروذ النفس الأمارة المجادلة لإبراهيم الروح القدسية التي ألقيت في نار الطبيعة فعادت عليها برداً وسلاماً، أو نمروذ الجبار وإبراهيم الخليل عليه السلام ‏{‏أَنْ آتاه الله الملك‏}‏ الذي هو عالم القوى البدنية وملك هذه الدنيا الدنية ‏{‏إِذْ قَالَ إبراهيم‏}‏ الروح أو إبراهيم الخليل ‏{‏رَبّى‏}‏ أي من غذيت ببيان أنواره أو إيجاده وهدايته ‏{‏الذى يحيى‏}‏ من توجه إليه ‏{‏وَيُمِيتُ‏}‏ من أعرض عنه، أو يحيى ويميت الإحياء والإماتة المعهودتين ‏{‏قَالَ‏}‏ نمروذ النفس الأمارة، أو الجبار ‏{‏أَلَمْ تَرَ‏}‏ بعض القوى بصرفها في ميادين اللذات واستنشاق ريح الشهوات ‏{‏وَأُمِيتُ‏}‏ بعضها بتعطيله عن ذلك برهة، أو أحيى بالعفو وأميت بالقتل ‏{‏قَالَ إبراهيم‏}‏ الروح، أو الخليل ‏{‏إِنَّ الله يَأْتِىَ‏}‏ بشمس العرفان ‏{‏مِنْ‏}‏ وهو جانب المبدأ الفياض ‏{‏المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب‏}‏ أي أظهرها بعد غروبها وحيلولة أرض الوجود بينك وبينها، أو أن الله يأتي بشمس الروح من مشرقها وهو مبدأها الأصلي فتشرق أنوارها على صفحات البدن فأت بها بعدما غربت أي فأرجعها إلى من قتلته وأمته، وعلى هذا يكون من تتمة الأول ‏{‏فَبُهِتَ‏}‏ وغلب ‏{‏الذى كَفَرَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 258‏]‏ وهو النفس الأمارة المدعية للربوبية على عرش البدن أو نمروذ اللعين ‏{‏أَوْ كالذى مَرَّ‏}‏ وهو العقل الإنساني ‏{‏على قَرْيَةٍ‏}‏ القلب الذي هو البيت المقدس، أو هو عزير النبي وكان قدم على بيت المقدس قبل التجلي باسمه تعالى المحيى ‏{‏وَهِىَ خَاوِيَةٌ‏}‏ خالية من التجليات النافعة ثابتة ‏{‏على عُرُوشِهَا‏}‏ صورها أو ساقطة منهدمة لضعف أس الاستعداد على عروش العزائم ‏{‏قَالَ‏}‏ لذهوله عن النظر إلى الحقائق ‏{‏إِنّى‏}‏ متى، أو كيف ‏{‏يحيى هذه‏}‏ القرية الله الجامع لصفات الجمال والجلال ‏{‏بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏ بداء الجهل والالتفات إلى السوى ‏{‏فَأَمَاتَهُ الله‏}‏ أبقاه جاهلاً مائة عام أي مدة طويلة، وقيل‏:‏ هي عبارة في الأصل عن ثمانية أعوام وأربعة أشهر أو خمسة وعشرين سنة ثم بعثه بالحياة الحقيقية وطلب منه الوقوف على مدة اللبث فما ظنها إلا يوماً أو بعض يوم استصغاراً لمدة اللبث في موت الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية، أو أماته بالموت الإرادي في إحدى المدد المذكورة فتكون المدة زمان رياضته وسلوكه ومجاهدته في سبيل الله تعالى، أو أماته حتف أنفه بالموت الطبيعي ثم بعثه بالإحياء قال‏:‏ بل لبثت في الحقيقة مائة عام ‏{‏فانظر إلى طَعَامِكَ‏}‏ وكان التين أو العنب، والأول‏:‏ إشارة إلى المدركات الكلية لكونه لباً كله وكون الجزئيات فيه بالقوة كالحبات التي في التين، والثاني‏:‏ إشارة إلى الجزئيات لبقاء اللواحق المادية معها في الإدراك كالقشر والعجم ‏{‏وَشَرَابِكَ‏}‏ وكان عصير العنب أو اللبن، والأول‏:‏ إشارة إلى العشق والإرادة وعلوم المعارف والحقائق، والثاني‏:‏ إشارة إلى العلم النافع كالشرائع ‏{‏لَمْ يَتَسَنَّهْ‏}‏ أي لم يتغير عما كان في الأول بحسب الفطر مودعاً فيك فإن العلوم مخزونة في كل نفس بحسب استعداده والناس معادن كمعادن الذهب والفضة وإن حجبت بالمواد وخفيت مدة بالتقلب في البرازخ وظلماتها لم تبطل ولم تتغير عن حالها حتى إذا رفع الحجاب ظهرت كما كانت ‏{‏وانظر إلى حِمَارِكَ‏}‏ وهو القالب الحامل للقلب أو لمعنى ‏{‏وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً‏}‏ أي دليلاً للناس بعثناك ‏{‏وانظر إِلَى العظام‏}‏ من القوى ‏{‏كَيْفَ نُنشِزُهَا‏}‏ ونرفعها عن أرض الطبيعة ‏{‏ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا‏}‏ وهو العرفان الذي يكون لباساً لها، وعبر عنه باللحم لنموه وزيادته كلما تغذت الروح بأطعمة الشهود وأشربة الوصال، والمعنى الظاهر ظاهر ‏{‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ‏}‏ ووضح ‏{‏لَهُ‏}‏ ذلك ‏{‏قَالَ أَعْلَمُ‏}‏ علماً مستمراً ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء‏}‏ ومن جملته ما كان ‏{‏قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 259‏]‏ لا يستعصي عليه ولا يعجزه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏260‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏260‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم‏}‏ بيان لتسديد المؤمنين إثر بيان ولمغايرته لما تقدم كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى غير الأسلوب والظرف منتصب إما بمضمر صرح بمثله في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 69‏]‏ وإيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما فيه بطريق برهاني وإما بقال الآتي وقد تقدم تحقيق ذلك ‏{‏رَبّ‏}‏ كلمة استعطاف شرع ذكرها قبل الدعاء مبالغة في استعداد الإجابة ‏{‏أَرِنِى‏}‏ من الرؤية البصرية المتعدية بهمزة النقل إلى مفعولين فالباء مفعوله الأوّل وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَيْفَ يُحْيِىَ الموتى‏}‏ في محل مفعوله الثاني المعلق عنه، وإلى ذلك ذهب أكثر المعربين، واعترض بأن البصرية لا تعلق، وأجيب بأن ذلك إنما ذكره بعض النحاة، ورده ابن هشام بأنه سمع تعليقها، وفي «شرح التوضيح» يجوز كونها علمية، ومن الناس من لم يجعل ‏(‏ما‏)‏ هنا من التعليق في شيء وجعل كلمة ‏{‏كَيْفَ‏}‏ الخ في تأويل مصدر هو المفعول كما قاله ابن مالك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 45‏]‏ ثم الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن شيء متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، فالاستفهام هنا عن هيئة الإحياء المتقرر عند السائل أي بصرني كيفية إحيائك للموتى وإنما سأله عليه السلام لينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين، وفي الخبر «ليس الخبر كالمعاينة» وكان ذلك حين رأى جيفة تمزقها سباع البر والبحر والهواء قاله الحسن والضحاك وقتادة، وهو المروي عن أهل البيت، وروي عن ابن عباس والسدي وسعيد بن جبير أن الملك بشره عليه السلام بأن الله تعالى قد اتخذه خليلاً وأنه يجيب دعوته ويحيى الموتى بدعائه فسأل لذلك، وروى عن محمد بن إسحق بن يسار أن سبب السؤال منازعة النمروذ إياه في الاحياء حيث رد عليه لما زعم أن العفو إحياء وتوعده بالقتل إن لم يحي الله تعالى الميت بحيث يشاهده فدعا حينئذ ‏{‏قَالَ‏}‏ استئناف مبني على السؤال والضمير للرب ‏{‏أَوَ لَمْ تُؤْمِنَ‏}‏ عطف على مقدر أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألني عنه أو بأني قد اتخذتك خليلاً، أو بأن الجبار لا يقتلك ‏{‏قَالَ‏}‏ أي إبراهيم ‏{‏بلى‏}‏ آمنت بذلك ‏{‏ولكن‏}‏ سألت ‏{‏لّيَطْمَئِنَّ‏}‏ أي يسكن ‏{‏قَلْبِى‏}‏ بمضامة الأعيان إلى الإيمان والإيقان بأنك قادر على ذلك، أو‏:‏ ليطمئن قلبي بالخلة أو بأن الجبار لا يقتلني، وعلى كل تقدير لا يعود نقص على إبراهيم من هذا السؤال ولا ينافي منصب النبوة أصلاً، وللناس ولوع بالسؤال عن هذه الآية وما ذكر هو المشهور فيها ويعجبني ما حرره بعض المحققين في هذا المقام وبسطه في الذب عن الخليل عليه السلام من الكلام، وهو أن السؤال لم يكن عن شك في أمر ديني والعياذ بالله ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علماً بها وكيفية الإحياء لا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها، فالخليل عليه السلام طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة ‏{‏كَيْفَ‏}‏ وموضوعها السؤال عن الحال، ونظير هذا أن يقول القائل‏:‏ كيف يحكم زيد في الناس فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوته ولو كان سائلاً عن ثبوت ذلك لقال أيحكم زيد في الناس ولما كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فتنسب إلى إبراهيم وحاشاه شكا من هذه الآية قطع النبي صلى الله عليه وسلم دابر هذا الوهم بقوله على سبيل التواضع‏:‏

«نحن أحق بالشك من إبراهيم» أي ونحن لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى، وقيل‏:‏ إن الكلام مع أفعل جاء هنا لنفي المعنى عن الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام أي لا شك عندنا جميعاً، ومن هذا الباب ‏{‏أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 37‏]‏ أي لا خير في الفريقين، وإنما جاء التقرير بعد لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا أنها قد استعمل أيضاً في الاستعجاز كما إذا ادعى مدع أنه يحمل ثقلاً من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له‏:‏ أرني كيف تحمل هذا وتريد أنك عاجز عن حمله فأراد سبحانه لما علم براءة الخليل عن الحوم حول حمى هذا المعنى أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى ليكون إيمانه مخلصاً بعبارة تنص عليه بفهمها كل من يسمعها فهماً لا يتخالجه فيه شك، ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن الجولان في كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير المشاهد، وعدم حصول هذه الطمأنينة قبل لا ينافي حصول الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجوه، ولا أرى رؤية الكيفية زادت في إيمانه المطلوب منه عليه السلام شيئاً وإنما أفادت أمراً لا يجب الإيمان به، ومن هنا تعلم أن علياً كرم الله تعالى وجهه لم يثبت لنفسه مرتبة في الإيمان أعلى من مرتبة الخليل فيه بقوله‏:‏ لو كشفت لي الغطاء ما ازددت يقيناً كما ظنه جهلة الشيعة وكثير من أصحابنا لما لم يقف على ما حررنا تجشم لدفع ما عسى أن يتوهم من كلامي الخليل والأمير من أفضلية الثاني على الأول فبعض دفعه بأن اليقين يتصور أن يطرأ عليه الجحود لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏ والطمأنينة لا يتصور طرو ذلك عليها ونسب هذا لحجة الإسلام الغزالي وفي القلب منه شيء، وبعض قرر في دفعه أن مقام النبوة مغاير لمقام الصديقية، فلمقام النبوة طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه، ولمقام الصديقية طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه أيضاً، وطمأنينة مقام النبوة كانت لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كما كشف عنها بقوله تعالى‏:‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 45‏]‏ على ما يعرفه أهل الذوق من الآية وكان الاستعداد من إبراهيم وكذا من موسى عليهما السلام متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة كما أبانا عن أنفسهما بـ ‏{‏رَبّ أَرِنِى كَيْفَ يُحْيِىَ الموتى‏}‏ و‏{‏رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 143‏]‏ وطمأنينة مقام الصديقية كانت للصديقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما أبدى عن نفسه إمام الصديقين كرم الله تعالى وجهه بقوله‏:‏ «لو كشف» الخ، وكان الاستعداد في صدِّيقي سائر الأنبياء متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة فثبتت الفضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على سائر إخوانه من الأنبياء والصديقية على سائر الصديقين من أممهم ولم يثبت لصديقيه لوجدانهم طمأنينتهم الفضيلة على الأنبياء عند فقدانهم طمأنينتهم لأن ما فقدوه من الطمأنينة غير ما وجده الصديقون منها لأنهم إنما يفقدون الطمأنينة اللائقة بمقام النبوة والصديقون لم يجدوا مثل تلك الطمأنينة وإنما وجدوا طمأنينة لائقة بمقام الصديقين ولو رضي النبيون بمثله لكان حاصلاً لهم، وأجل من ذلك بعدة مراتب ولقد اعترف الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه بهذا التخلف حين بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ إني لأسهو فقال‏:‏ يا ليتني كنت سهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ علم أن ما يعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه الكريمة سهواً فوق أعلى يقظان الصديق إذ حسنات الأبرار سيآت المقربين وحسنات المقربين سيآت النبيين، وهذا أولى مما سبق، وبعض من المتصوفة كجهلة الشيعة التزموا ظاهر كل من الكلامين وزعموا أن أولياء هذه الأمة وصديقهم أعلى كعباً من الأنبياء ولو نالوا مقام الصديقية محتجين بما روي عن الإمام الرباني سيدي وسندي عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال‏:‏ يا معشر الأنبياء الفرق بيننا وبينكم بالألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه، وببعض عبارات للشيخ الأكبر قدس سره ينطق بذلك، وأنت تعلم أن التزام ذلك والقول به خرق لإجماع المسلمين ومصادم للأدلة القطعية على أفضلية الأنبياء على سائر الخلق أجمعين، ويوشك أن يكون القول به كفراً بل قد قيل به، وما روي عن الشيخ عبد القادر قدس سره فمما لم يثبت نقله عنه في كتاب يعول عليه، وما يعزى إلى الشيخ الأكبر قدس سره فتعارضه عبارات له أخر مثل قوله قدس سره وهو الذي تعلم ترجمته لنفسه وعده إياها من أكبر الصديقين بل خاتم الولاية الخاصة والمقام المحمدي فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجليّاً لا دخولاً فكدت أحترق، وبتقدير تسليم ما نقل عمن نقل والقول بعدم قوة المعارض لنا أن نقول‏:‏ إن ذلك القول صدر عن القائل عند فنائه في الحقيقة المحمدية والذات الأحمدية فاللسان حينئذ لسانها والقول قولها ولم يصدر ذلك منه حين رؤية نفسه، والوقوف عند رتبته وهذا غير ما ذهب إليه الشيعة وبعيد عنه بمراحل، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه بأتم من هذا إن شاء الله تعالى، فخزائن الفكر ولله الحمد مملوءة، ولكل مقام مقال، هذا وذكر الزمخشري أن المراد بالطمأنينة هنا العلم الذي لا مجال للتشكيك فيه وهو علم الضرورة المخالف لعلم الاستدلال حيث يجوز معه ذلك، واعترض بأن العلم الموقوف على سبب لا يتصور فيه تشكيك ما دام سببه مذكوراً في نفس العالم وإنما الذي قبل التشكيك قبولاً مطلقاً هو الاعتقاد وإن كان صحيحاً وسببه باق في الذكر وبهذا ينحط الاعتقاد الصحيح عن العلم، وأجيب بأن هذا مبني على تفسير العلم بأنه صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض بوجه على ما ذكره ابن الحاجب في «مختصره» وقد قيل عليه ما قيل فتدبر، واللام في ‏{‏لّيَطْمَئِنَّ‏}‏ لام كي والفعل منصوب بعدها بإضمار أن، وليس بمبنى كما زلق السمين ومتعلق اللام محذوف كما أشرنا حذف ما منه الاستدراك، وقيل‏:‏ المتعلق ‏{‏أَرِنِى‏}‏ ولا أراه شيئاً، والماضي للفعل اطمأن على وزن اقشعر، واختلف هل هو مقلوب أم لا‏؟‏ فمذهب سيبويه أنه مقلوب من اطأمن فالطاء فاء الكلمة والهمزة عينها، والميم لامها فقدمت اللام التي هي الميم على العين وهي الهمزة فوزنه افلعل، ومذهب الجرمي أنه غير مقلوب وكأنه يقول اطأمن واطمأن مادتان مستقلتان ومصدره الطمأنينة بسكون الميم وفتح الهمزة، وقيل‏:‏ طمانينه بتخفيف الهمزة وهو قياس مطرد عند الكوفيين وهو على غير قياس المصادر عند الجميع إذ قياس اطمأن أن يكون مصدره على الاطمئنان، وقرىء أرني بسكون الراء‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ أي الرب ‏{‏فَخُذْ‏}‏ الفاء لجواب شرط محذوف أي إن أردت ذلك فخذ‏.‏ ‏{‏أَرْبَعَةً مّنَ الطير‏}‏ المشهور أنه اسم جمع كركب وسفر، وقيل‏:‏ بل هو جمع طائر كتاجر وتجر وإليه ذهب أبو الحسن وقيل‏:‏ بل هو مخفف من طير بالتشديد، وقال أبو البقاء‏:‏ هو في الأصل مصدر طار يطير ثم سمي به هذا الجنس وألحقت التاء في عدده لاعتباره مذكراً واسم الجنس لما لا يعقل يذكر ويؤنث والجار متعلق بمحذوف وقع صفة لما قبله أو متعلق بخذ والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة، وعن مجاهد بدل الغرنوق الغراب، وفي رواية بدل الحمامة بطة، وفي رواية نسر، وتخصيص الطير بذلك لأنه أقرب إلى الإنسان باعتبار طلبه المعاش والمسكن ولذلك وقع في الحديث

«لو توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» ولأنه أجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتي ما يفعل به من التجزئة والتفرقة ولما فيه من مزيد أجزاء من الريش ففي إحيائها مزيد من ظهور القدرة ولأن من صفته الطيران في السماء وكان من همة إبراهيم عليه الصلاة والسلام الميل إلى جهة العلو والوصول إلى الملكوت فكان معجزته مشاكلة لهمته‏.‏

‏{‏فَصُرْهُنَّ‏}‏ قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد، والباقون بضمها مع التخفيف من صاره يصوره ويصيره لغتان بمعنى قطعه أو أماله لأنه مشترك بينهما كما ذكره أبو علي، وقال الفراء‏:‏ الضم مشترك بين المعنيين، والكسر بمعنى القطع فقط، وقيل‏:‏ الكسر بمعنى القطع، والضم بمعنى الإمالة، وعن الفراء إن صاره مقلوب صراه عن كذا قطعه، والصحيح أنه عربي وعن عكرمة أنه نبطي، وعن قتادة أنه حبشي، وعن وهب أنه رومي، فإن كان المراد أملهن فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَيْكَ‏}‏ متعلق به وإن كان المراد فقطعهن فهو متعلق بخذ باعتبار تضمينه معنى الضم، واختار أبو البقاء أن يكون حالاً من المفعول المضمر أي فقطعهن مقربة ممالة إليك وزعم ابن هشام تبعاً لغيره أنه لا يصح تعليق الجار بصرهن مطلقاً إن لم يقدر مضاف أي إلى نفسك محتجاً بأنه لا يتعدى فعل غير علمي عامل في ضمير متصل إلى المنفصل، ورد بأنه إنما يمنع إذا كان متعدياً بنفسه أما المتعدي بحرف فهو جائز كما صرح به علماء العربية، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فصرهن بتشديد الراء مع ضم الصاد وكسرها من صره إذا جمعه، والراء إما مضمومة للاتباع أو مفتوحة للتخفيف، أو مكسورة لالتقاء الساكنين، وعنه أيضاً فصرهن من التصرية بفتح الصاد وكسر الراء المشددة وأصلها تصررة فأبدل أحد أحرف التضعيف ياءاً وهي في الأصل من صريت الشاة إذا لم تحلبها أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها ثم استعمل في مجرد معنى الجمع أي اجمعهن وضمهن إليك لتتأملها وتعرف شأنها مفصلة حتى تعلم بعد الإحياء أن جزءاً من أجزائها لم ينتقل من موضعه الأول أصلاً‏.‏

‏{‏ثُمَّ اجعل‏}‏ أي ألق أو صير بعد ذبحهن وخلط لحومهن وريشهن ودمائهن كما قاله قتادة‏.‏ ‏{‏على كُلّ جَبَلٍ‏}‏ يمكنك الوضع عليه ولم يعين له ذلك كما روي عن مجاهد، والضحاك وروي عن ابن عباس والحسن، وقتادة أن الجبال كانت أربعة، وعن ابن جريج، والسدي أنها كانت سبعة، وعن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنها كانت عشرة ‏{‏مِنْهُنَّ‏}‏ أي من تلك الطير ‏{‏جُزْءا‏}‏ أي قطعة، وبعضاً ربعاً، أو سبعاً أو عشراً أو غير ذلك؛ وقرىء ‏(‏جزءاً‏)‏ بضمتين و‏(‏ جزاً‏)‏ بطرح همزته تخفيفاً ثم تشديده عند الوقف ثم إجراء الوصل مجرى الوقف وهو مفعول لا جعل والجاران قبله متعلقان بافعل، ويجوز أن يكون على كل مفعولاً ثانياً له إن كان بمعنى صير، و‏{‏مِنْهُنَّ‏}‏ حال من ‏{‏جُزْءا‏}‏ لأنه في الأصل صفة للنكرة قدمت عليها ‏{‏ثُمَّ ادعهن‏}‏ أي نادهنّ، أخرج ابن المنذر عن الحسن قال‏:‏ إنه عليه الصلاة والسلام نادى أيتها العظام المتمزقة واللحوم المتفرقة والعروق المتقطعة اجتمعي يرد الله تعالى فيكن أرواحكن فوثب العظم إلى العظم وطارت الريشة إلى الريشة وجرى الدم إلى الدم حتى رجع إلى كل طائر دمه ولحمه وريشه ثم أوحى الله تعالى إلى إبراهيم إنك سألتني كيف أحيي الموتى وأني خلقت الأرض وجعلت فيها أربعة أرواح الشمال والصبا والجنوب والدبور حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصور فيجتمع من في الأرض من القتلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال ثم قرأ‏:‏

‏{‏مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 28‏]‏ وعن مجاهد أنه دعاهن باسم إله إبراهيم تعالين، واستشكل بأن دعاء الجماد غير معقول، وأجيب بأنه من قبيل دعاء التكوين، وقيل‏:‏ في الآية حذف كأنه قيل‏:‏ فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً فإن الله تعالى يحييهن فإذا أحياهن فادعهن‏.‏

 ‏{‏يَأْتِينَكَ سَعْيًا‏}‏ فالدعاء إنما وقع بعد الإحياء‏.‏ ولا يخفى أن الآثار مع ما فيه من التكلف لا تساعده، وأعظم منه فساداً ما قيل‏:‏ إنه عليه الصلاة والسلام جعل على كل جبل منهن طيراً حياً ثم دعاها فجاءت فإن ذلك مما يبطل فائدة الطلب ويعارض الأخبار الصحيحة فإن أكثرها ناطق بأنه دعاها ميتة متفرقة الأجزاء، وفي بعضها أن رؤوسهن كانت بيده فلما دعاهن جعل كل جزء منهن يأتي إلى صاحبه حتى صارت جثثاً ثم أقبلن إلى رؤوسهن فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن إلى ما كانت عليه من الهيئة، و‏(‏ سعياً‏)‏ حال من فاعل يأتينك أي ساعيات مسرعات، أو ذوات سعي طيراناً أو مشياً، وقيل‏:‏ إطلاق السعي على الطيران مجاز، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية كقعدت جلوساً، ومن الغريب ما نقل عن النضر بن شميل قال‏:‏ سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَأْتِينَكَ سَعْيًا‏}‏ هل يقال الطائر إذا طار سعى‏؟‏ فقال‏:‏ لا قلت‏:‏ فما معناه‏؟‏ قال‏:‏ معناه‏:‏ يأتينك وأنت تسعى سعياً وهو من التكلف الغير المحتاج إليه بمكان وإنما اقتصر سبحانه على حكاية أوامره جل شأنه من غير تعرض لامتثال خليله عليه الصلاة والسلام، ولا لما ترتب عليه من آثار قدرته التي علمت النزر منها للإيذان بأن ترتب تلك الأمور على الأوامر الجليلة واستحالة تخلفها عنها من الجلاء والظهور بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلاً، وزعم بعضهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام لم يفعل شيئاً مما اقتضاه ظاهر الكلام وأن الأوامر فيه مثلها في قولك لمن لا يعرف تركيب الحبر مثلاً‏:‏ خذ وكذا وأمكنهما سحقاً وألق عليهما كذا وكذا وضع ذلك في الشمس مدة أيام ثم استعمله تجده حبراً جيداً فإنه لا يقتضي الامتثال إذ كان الغرض مجرد تعليم، والرؤية هنا علمية كما نقل عن «شرح التوضيح»، وإبراهيم حصل له العلم التام بمجرد وصف الكيفية واطمأن قلبه وسكن لبه، ولهذا لم يذكر الله تعالى ما ترتب على هذه الأوامر من هاتيك الأمور ولم يتعرض للامتثال ولم يعبأ بالإيماء إليه بقال أو حال، ومال إلى هذا القول أبو مسلم فأنكر القصة أيضاً، وقال‏:‏ إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما طلب إحياء الموتى من ربه سبحانه وأراه مثالاً محسوساً قرب الأمر عليه، والمراد بصرهن أملهن ومرنهنّ على الإجابة أي عود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة ولا يخفى أن هذا خلاف إجماع المسلمين، وضرب من الهذيان لا يركن إليه أرباب الدين وعدول عما يقتضيه ظاهر الآية المؤيد بالأخبار الصحيحة والآثار الرجيحة إلى ما تمجه الأسماع ولا يدعو إليه داع فالحق اتباع الجماعة ويد الله تعالى معهم، وفي الآية دليل لمن ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع الأجزاء المتفرقة وإرسال الروح إليها بعد تركيبها وليس هو من باب إعادة المعدوم الصرف لأنه سبحانه بين الكيفية بالتفريق ثم الجمع وإعادة الروح ولم يعدم هناك سوى الجزء الصوري والهيئة التركيبية دون الأجزاء المادية، واحتج بها بعضهم أيضاً على أن البنية ليست شرطاً في الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو، وقال القاضي‏:‏ دلت الآية على أنه لا بد من البنية حيث أوجب التقطيع بطلان الحياة، وأجيب بأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، والانفكاك في بعض الأحوال يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء كانت دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة وفيه تأمل والمشهور أنها حجة على من ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وهي ظاهرة في أنه يزيد في الكيف وإن كان لا يزيد في الكم لكن المكلف به هو الجزم الحاصل بالنظر والاستدلال، ويسميه البعض علم اليقين لا الجزم الكائن بالمشاهدة المسمى بعين اليقين فإن في التكليف به حرجاً في الدين، وأنت تعلم أن في دلالة الآية على زيادة الإيمان ونقصه بناءاً على الوجه الذي أشرنا إلى اختياره تردداً كما لا يخفى؛ وفيها أيضاً دليل على فضل الخليل عليه الصلاة والسلام ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال حيث أراه سبحانه ما سأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه، وأرى عزيراً عليه السلام ما أراه بعد ما أماته مائة عام‏.‏

‏{‏واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ‏}‏ غالب على أمره ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ ذو حكمة بالغة في أفعاله فليس بناء أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن خرق العادات بل لكونه متضمناً للحكم والمصالح، وحكي أن الله سبحانه لما وفى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بما سأل قال له‏:‏ يا إبراهيم نحن أريناك كيف نحيى الموتى فأرنا أنت كيف تميت الأحياء مشيراً إلى ما سيأمره به من ذبح ولده عليه الصلاة والسلام وهو من باب الانبساط مع الخليل ودائرة الخلة واسعة إلا أن حفاظ المحدثين لم يذكروا هذا الخبر وليس له رواية في «كتب الأحاديث» أصلاً‏.‏

ومن باب الإشارة في هذه القصة‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِى كَيْفَ يُحْيِىَ الموتى‏}‏ أي موتى القلوب بداء الجهل ‏{‏قَالَ أُوْحِى لَّمْ تُؤْمِنُواْ‏}‏ أي ألم تعلم ذلك علماً يقينياً ‏{‏قَالَ بلى‏}‏ أعلم ذلك‏.‏

ولكن للعيان لطيف معنى *** له سأل المشاهدة الخليل

وهو المشار إليه بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى‏}‏ الذي هو عرشك ‏{‏قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير‏}‏ إشارة إلى طيور الباطن التي في قفص الجسم، وهي أربعة من أطيار الغيب والعقل، والقلب، والنفس، والروح ‏{‏فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ‏}‏ أي ضمهن واذبحهن، فاذبح طير العقل بسكين المحبة على باب الملكوت، واذبح طير القلب بسكين الشوق على باب الجبروت، واذبح طير النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية، واذبح طير الروح بسكين العجز في تيه عزة أسرار الربانية ‏{‏ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا‏}‏ فاجعل العقل على جبل العظمة حتى يتراكم عليه أنوار سلطنة الربوبية فيصير موصوفاً بها ليدركني بي بعد فنائه في، واجعل القلب على جبل الكبرياء حتى ألبسه سناء قدسي فيتيه في بيداء التفكر منعوتاً بصرف نور المحبة، واجعل النفس على جبل العزة حتى ألبسها نور العظمة لتصير مطمئنة عند جريان ربوبيتي عليها فلا تنازعني في العبودية ولا تطلب أوصاف الربوبية، واجعل الروح على جبل جمال الأزل حتى ألبسها نور النور وعز العز وقدس القدس لتكون منبسطة في السكر مطمئنة في الصحو عاشقة في الانبساط راسخة في التجليات ‏{‏ثُمَّ ادعهن‏}‏ ونادهنّ بصوت سر العشق ‏{‏يَأْتِينَكَ سَعْيًا‏}‏ إلى محض العبودية بجمال الأحدية ‏{‏واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ‏}‏ يعزك بعرفانك هذه المعاني واطلاعك على صفاته القديمة ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ في ظهوره بغرائب التجلي لأسرار باطنك، وقد يقال‏:‏ أشار سبحانه بالأربعة من الطير إلى القوى الأربعة التي تمنع العبد عن مقام العيان وشهود الحياة الحقيقية، ووقع في أثر أنها كانت طاوساً، وديكاً، وغراباً، وحمامة، ولعل الطاوس إشارة إلى العجب والديك إلى الشهوة والغراب إلى الحرص، والحمامة إلى حب الدنيا لإلفها الوكر والبرج، وفي أثر بدل الحمامة بطة، وفي آخر نسر، وكان الأول‏:‏ إشارة إلى الشره الغالب، والثاني‏:‏ إلى طول الأمل، ومعنى ‏{‏فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ‏}‏ حينئذ ضمهنّ وأملهنّ إليك بضبطها ومنعها عن الخروج إلى طلب لذاتها والنزوع إلى مألوفاتها، وفي الأثر أنه عليه الصلاة والسلام أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويخلط لحومها ودماءها بالدق ويحفظ رؤوسها عنده أي يمنعها عن أفعالها ويزيد هيآتها عن النفس ويقمع دواعيها وطبائعها وعادتها بالرياضة ويبقي أصولها فيه ثم أمر أن يجعل على كل جبل من الجبال التي بحضرته وهي العناصر الأربعة التي هي أركان بدنه جزءاً منهنّ وكأنه عليه الصلاة والسلام أمر بقمعها وإماتتها حتى لا يبقى إلا أصولها المركوزة في الوجود والمواد المعدة في طبائع العناصر التي هي فيه، وفي رواية أن الجبال كانت سبعة فعلى هذا يشير بها إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن، وفي أخرى أنها كانت عشرة وعليها ربما تكون إشارة إلى الحواس الظاهرة والباطنة، وأشار سبحانه بالأمر بالدعاء إلى أنه إذا كانت هاتيك الصفات حية بحياتها كانت غير منقادة وحشية ممتنعة عن قبول الأمر فإذا قتلت كانت حية بالحياة الحقيقية الموهومة بعد الفناء والمحو وهي حياة العبد وعند ذلك تكون مطيعة منقادة متى دعيت أتت سعياً وامتثلت طوعاً وذلك هو الفوز العظيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏261‏]‏

‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏261‏)‏‏}‏

‏{‏مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله‏}‏ أي في وجوه الخيرات الشاملة للجهاد وغيره، وقيل‏:‏ المراد الانفاق في الجهاد لأنه الذي يضاعف هذه الأضعاف، وأما الإنفاق في غيره فلا يضاعف كذلك وإنما تجزي الحسنة بعشر أمثالها ‏{‏كَمَثَلِ حَبَّةٍ‏}‏ خبر عن المبتدا قبله ولا بد من تقدير مضاف في أحد الطرفين أي مثل نفقة الذين ‏{‏كَمَثَلِ حَبَّةٍ‏}‏ أو مثلهم كمثل باذر حبة ولولا ذلك لم يصح التمثيل، والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع للاقتيات وأكثر إطلاقه على البر وبذر ما لا يقتات به من البقل حبة بالكسر ‏{‏أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ‏}‏ أي أخرجت تلك الحبة ساقاً تشعب منه سبع شعب لكل واحد منها سنبلة‏.‏

‏{‏فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ‏}‏ كما نرى ذلك في كثير من الحب في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك، والسنبلة على وزن فنعلة فالنون زائدة لقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل، وقيل‏:‏ وزنه فعلله فالنون أصلية والأول هو المشهور وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز لأنها سبب للإنبات والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى وهذا التمثيل تصوير للإضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس‏.‏

‏{‏والله يضاعف‏}‏ هذه المضاعفة أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى، واقتصر بعض على الأول، وبعض على الثاني، والتعميم أتم نفعاً ‏{‏لِمَن يَشَاء‏}‏ من عباده المنفقين على حسب حالهم من الإخلاص والتعب وإيقاع الإنفاق في أحسن مواقعه، أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، وأبي أمامة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله تعالى وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم ‏"‏ ثم تلا هذه الآية وعن معاذ بن جبل‏:‏ «إن غزاة المنفقين قد خبأ الله تعالى لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد2‏.‏

‏{‏والله واسع‏}‏ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بنية المنفق وسائر أحواله، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قصة المار على القرية، وقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكانا من أدل دليل على البعث ذكر ما ينتفع به يوم البعث وما يجد جزاءه هناك وهو الإنفاق في سبيل الله تعالى كما أعقب قصة ‏{‏الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 243‏]‏ بقوله تعالى عز شأنه‏:‏ ‏{‏مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏ وكما عقب قتل داود جالوت وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏ بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254‏]‏ الخ‏.‏

وفي ذكره الحبة في التمثيل هنا إشارة أيضاً إلى البعث وعظيم القدرة إذ من كان قادراً على أن يخرج من حبة واحدة في الأرض سبعمائة حبة فهو قادر على أن يخرج الموتى من قبورهم بجامع اشتركا فيه من التغذية والنمو‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏262‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏262‏)‏‏}‏

‏{‏الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله‏}‏ استئناف جىء به لبيان كيفية الإنفاق الذي بين فضله‏.‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ‏}‏ أي إنفاقهم أو ما أنفقوه ‏{‏مِنَّا‏}‏ على المنفق عليه ‏{‏وَلا أَذًى‏}‏ أي له والمنّ عبد الإحسان وهو في الأصل القطع، ومنه قوله‏:‏ حبل منين أي ضعيف وقد يطلق على النعمة لأن المنعم يقطع من ماله قطعة للمنعم عليه، والأذى التطاول والتفاخر على المنفق عليه بسبب إنفاقه، وإنما قدم المنّ لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة ‏{‏لا‏}‏ لشمول النفي لاتباع كل واحد منهما، و‏{‏ثُمَّ‏}‏ للتفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى في الرتبة والبعد بينهما في الدرجة، وقد استعيرت من معناها الأصلي وهو تباعد الأزمنة لذلك وهذا هو المشهور في أمثال هذه المقامات وذكر في «الانتصاف» وجهاً آخر في ذلك وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه وعلى هذا لا تخرج عن الإشعار ببعد الزمن ولكن معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ومعناها المستعارة له دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه وعليه يحمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استقاموا‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 30‏]‏ أي داوموا على الاستقامة دواماً متراخياً ممتد الأمد وتلك الاستقامة هي المعتبرة لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى والشهوات، وكذلك ‏{‏ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ‏}‏ الخ أي يدومون على تناسي الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان ليسوا بتاركيه في أزمنة ثم يثوبون إلى الإيذاء وتقليد المنّ، وبسببه مثله يقع في السين نحو ‏{‏إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 99‏]‏ إذ ليس لتأخر الهداية معنى فيحمل على دوام الهداية الحاصلة له وتراخي بقائها وتمادي أمدها وهو كلام حسن ولعله أولى مما ذكروه لأنه أبقى للحقيقة وأقرب للوضع على أحسن طريقة‏.‏ والآية كما أخرج الواحدي عن الكلبي والعهدة عليه نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف أما عبد الرحمن فإنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة فقال‏:‏ كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضها ربي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ‏"‏ وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فقال‏:‏ عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وتصدق برومة ركية كانت له على المسلمين، وقال أبو سعيد الخدري‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان ويقول‏:‏ ‏"‏ يا رب عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه فما زال رافعاً يديه حتى طلع الفجر ‏"‏

فأنزل الله تعالى فيه ‏{‏الذين يُنفِقُونَ‏}‏ الخ‏.‏

‏{‏لَهُمْ أَجْرُهُمْ‏}‏ حسبما وعدهم في ضمير التمثيل وهو جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً عن الموصول، وفي تكرير الإسناد وتقييد الأجر بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُمْ‏}‏ ‏{‏عِندَ رَبّهِمْ‏}‏ من التأكيد والتشريف ما لا يخفى وكان مقتضى الظاهر أن يدخل الفاء في حيز الموصول لتضمنه معنى الشرط كما في قولك‏:‏ الذي يأتيني فله درهم لكنه عدل عن ذلك إيهاماً بأن هؤلاء المنفقين مستحقون للأجر لذواتهم وما ركز في نفوسهم من نية الخير لا لوصف الإنفاق فإن الاستحقاق به استحقاق وصفي، وفيه ترغيب دقيق لا يهتدي إليه إلا بتوفيق، وجوز أن يكون تخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن ترتيب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك اتباع المنّ والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية ‏{‏وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ المراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما وقد تقدم الكلام على نظيرها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏263‏]‏

‏{‏قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ‏(‏263‏)‏‏}‏

‏{‏قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ‏}‏ أي كلام جميل يرد به السائل مثل يرحمك الله يرزقك الله إن شاء الله تعالى أعطيك بعد هذا ‏{‏وَمَغْفِرَةٌ‏}‏ أي ستر لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول وصفح عنه ‏{‏خَيْرٌ‏}‏ للسائل ‏{‏مّن صَدَقَةٍ‏}‏ عليه ‏{‏يَتْبَعُهَا‏}‏ من المتصدق ‏{‏أَذًى‏}‏ له لكونها مشوبة بضرر ما يتبعها وخلوص الأوليين من الضرر، وقيل‏:‏ يحتمل أن يراد بالمغفرة مغفرة الله تعالى للمسؤول بسبب تحمله ما يكره من السائل أو مغفرة السائل ما يشق عليه من رد المسؤول خير للمسؤول من تلك الصدقة، وفيه أن الأنسب أن يكون المفضل والمفضل عليه في هذا المقام كلاهما صفتي شخص واحد وعلى هذين الوجهين ليس كذلك على أن اعتبار الخيرية فيهما يؤدي إلى أن يكون في القصة الموصوفة بالنسبة إليه خير في الجملة مع بطلانها بالمرة، وجعل الكلام من باب هو خير من لا شيء ليس بشيء، والجملة مستأنفة مقررة لاعتبار ترك اتباع المنّ والأذى، وإنما لم يذكر المنّ لأن الأذى يشمله وغيره، وذكره فيما تقدم اهتماماً به لكثرة وقوعه من المتصدقين وعسر تحفظهم عنه، وصح الابتداء بالنكرة في الأول‏:‏ لاختصاصها بالوصف وفي الثاني‏:‏ بالعطف أو بالصفة المقدرة، وقال يقال‏:‏ إن المعطوف تابع لا يفتقر إلى مسوغ‏.‏ ‏{‏والله غَنِىٌّ‏}‏ عن صدقات العباد وإنما أمرهم بها لمصلحة تعود إليهم أو عن الصدقة بالمنّ والأذى فلا يقبلها، أو غنى لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤونة المنّ والأذى ويرزقهم من جهة أخرى ‏{‏حَلِيمٌ‏}‏ فلا يعجل بالعقوبة على المنّ والإيذاء لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملة تذييل لما قبلها مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏264‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏264‏)‏‏}‏

‏{‏يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ‏}‏ أقبل عليهم بالخطاب إثر بيان ما بين بطريق الغيبة البالغة في إيجاب العمل بموجب النهي ولذلك ناداهم بوصف الإيمان ‏{‏لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والاذى‏}‏ أي بكل واحد منهما لأن النفي أحق بالعموم وأدل عليه، والمراد بالمنّ المنّ على الفقير كما تقدم وهو المشهور، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد به المنّ على الله تعالى، وبالأذى الأذى للفقير، واستشكل ابن عطية هذه الآية بأن ظاهرها يستدعي أن أجر الصدقة يبطل بأحد هذين الأمرين ولا يمكن توجه الإبطال بذلك إلى نفس الصدقة لأنها قد ثبتت في الواقع فلا يعقل إبطالها؛ ومن العقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات خلافاً للمعتزلة، والآية أحد متمسكاتهم، وأجيب بأن الصدقة التي يعلم الله تعالى من صاحبها أنه يمنّ ويؤدي ولا تقبل حتى قيل‏:‏ إنه سبحانه يجعل للملك علامة فلا يكتبها، والإبطال المتنازع فيه إنما هو في عمل صحيح وقع عند الله تعالى في حيز القبول وما هنا ليس كذلك، فمعنى ‏{‏لاَ تُبْطِلُواْ‏}‏ حينئذٍ لا تأتوا بهذا العمل باطلاً كذا قالوا، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر إلا أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس‏}‏ فيه نوع تأييد له بناءاً على أن ‏{‏كالذى‏}‏ في محل نصب إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي لا تبطلوها إبطالاً كإبطال الذي الخ وإما على أنه حال من فاعل ‏{‏لاَ تُبْطِلُواْ‏}‏ أي لا تبطلوها مشابهين الذي ينفق أي الذي يبطل إنفاقه بالرياء، ووجه التأييد أن المرائي بالإجماع لم يأت بالعمل مقبولاً صحيحاً، وإنما أتى به باطلاً مردوداً، وقد وقع التشبيه في البين فتدبر، وانتصاب ‏(‏رياء‏)‏ إما على أنه علة لينفق أي لأجل ريائهم؛ أو على أنه حال من فاعله أي ينفق ماله مرائياً، وجعله نعتاً لمصدر محذوف أي إنفاقاً رياء الناس ليس بشيء، وقريب منه جعل الجار حالاً من ضمير المصدر المقدر لأنه لا يتمشى إلا على رأي سيبويه، وأصل رياء رئاء فالهمزة الأولى عين الكلمة والثانية بدل من ياء هي لام لأنها وقعت طرفاً بعد ألف زائدة، ويجوز تخفيف الهمزة الأولى بأن تقلب ياءاً فراراً من ثقل الهمزة بعد الكسرة، وقد قرأ به الخزاعي والشموني‏.‏ وغيرهما، والمفاعلة في فعله عند السمين على بابها لأن المرائي يرى الناس أعماله والناس يرونه الثناء عليه والتعظيم له؛ والمراد من الموصول ما يشمل المؤمن والكافر كما قيل وغالب المفسرين على أن المراد به المنافق لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر‏}‏ حتى يرجو ثواباً أو يخشى عقاباً‏.‏

‏{‏فَمَثَلُهُ‏}‏ أي المرائي في الإنفاق، والفاء لربط ما بعدها بما قبلها ‏{‏كَمَثَلِ صَفْوَانٍ‏}‏ أي حجر كبير أملس وهو جمع صفوانة أو صفاء أو اسم جنس ورجح بعود الضمير إليه مفرداً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ تُرَابٌ‏}‏ أي شيء يسير منه ‏{‏فَأَصَابَهُ وَابِلٌ‏}‏ أي مطر شديد الوقع والضمير للصفوان وقيل‏:‏ للتراب‏.‏

‏{‏فَتَرَكَهُ صَلْدًا‏}‏ أي أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً، وهذا التشبيه يجوز أن يكون مفرقاً فالنافق المنافق كالحجر في عدم الانتفاع ونفقته كالتراب لرجاء النفع منهما بالأجر والإنبات، ورياؤه كالوابل المذهب له سريعا الضار من حيث يظن النفع ولو جعل مركباً لصح، وقيل‏:‏ إنه هو الوجه والأول ليس بشيء‏.‏ ‏{‏لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ‏}‏ أي لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا رياءاً ولا ينتفعون به قطعاً، والجملة مبينة لوجه الشبه أو استئناف مبني على السؤال كأنه قيل‏:‏ فماذا يكون حالهم حينئذٍ فقيل‏:‏ لا يقدرون، وجعلها حالاً من ‏(‏الذي‏)‏ كما قال السمين مهزول من القول كما لا يخفى، والضمير راجع إلى الموصول باعتبار المعنى بعد ما روعي لفظه إذ هو صفة لمفرّ لفظاً مجموع معنى كالجمع والفريق، أو هو مستعمل للجمع كما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 96‏]‏ على رأي، وقوله‏:‏

إن الذي حانت بفلج دماؤهم *** هم القوم كل القوم يا أم خالد

وقيل‏:‏ إن من والذي يتعاقبان فعومل هنا معاملته، ولا يخفى بعده، ورجوع الضمير إلى ‏(‏الذين آمنوا‏)‏ من قبل بالالتفات مما لا يلتفت إليه ‏{‏والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين‏}‏ إلى ما ينفعهم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله، وفيه تعريض بأن كلاً من الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها‏.‏